أبي منصور الماتريدي

209

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وأما الثاني فلأن الرسول صلى اللّه عليه وسلم كانت مهمته التوضيح والبيان وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ . . . [ النحل : 44 ] الآية ، فما جاء عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم من شرح أو بيان بسند صحيح ثابت فإنه مما لا شك فيه أنه حق يجب اعتماده » « 1 » . المرحلة الثانية : التفسير في عهد الصحابة رضوان الله عليهم : جاء عهد الصحابة ، وما من شك في أنهم كانوا يفهمون القرآن جملة ، أي : بالنسبة لظاهره وأحكامه ، أما فهمه تفصيلا ، ومعرفة دقائق باطنه ، بحيث لا يغيب عنهم شاردة ولا واردة ، فهذا غير ميسور لهم بمجرد معرفتهم للغة القرآن ، بل لا بد لهم من البحث والنظر ؛ وذلك لأن القرآن - كما سبقت الإشارة - فيه المجمل ، والمشكل ، والمتشابه ، وغير ذلك مما لا بد في معرفته من أمور أخرى يرجع إليها « 2 » . ولذلك فإن قليلا من الصحابة من استشرف لمعرفة تفصيلات القرآن ودقائقه من رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، وأقل منهم من رزق الفهم الصحيح بعد البحث والنظر ، وليس هذا التفاوت بقادح في أذهان الصحابة وصحة فهمهم للقرآن الكريم عامة ؛ إذ إنه راجع إلى اللغة نفسها ، وهي من أوسع الألسنة مذهبا وأكثرها ألفاظا ، ولا يحيط بها غير النبي المعصوم ، ولا بأس بغروب ألفاظها على بعض الصحابة ما دام ذلك لا يغرب على عامتهم « 3 » . وبطبيعة الحال لم يكن الصحابة في درجة واحدة في فهم اللغة وإدراك أسرارها ، وليس بمقدور قوم أن يفهموا كل ما يكتب بلغتهم من العلوم على حد سواء ، ومن هنا لم يكن الصحابة في درجة واحدة لفهم معاني القرآن ، بل تفاوتت مراتبهم ، تبعا لتفاوتهم في فهم اللغة وإدراك أسرارها ، وهذا يرجع إلى تفاوتهم في القوة العقلية ، وما أحاط بالقرآن من ظروف وملابسات ، وأكثر من هذا أنهم كانوا لا يتساوون في معرفة المعاني التي وضعت لها المفردات ، فمن مفردات القرآن ما خفي معناه على بعض الصحابة ، ولا ضير في هذا ، فإن اللغة لا يحيط بها إلا معصوم ، ولم يدع أحد أن كل فرد من أمة يعرف جميع ألفاظ لغتها « 4 » .

--> ( 1 ) محمد علي الصابوني : التبيان في علوم القرآن ( الطبعة الثانية 1400 ه - 1980 م ) ( ص 65 ) . ( 2 ) ينظر : د . الذهبي : التفسير والمفسرون ( 1 / 36 ) . ( 3 ) ينظر : الإمام الشافعي : الرسالة ، تحقيق أحمد شاكر ( دار التراث 1979 م ) ( 1 / 42 ) ، والزركشي : البرهان في علوم القرآن ، تحقيق : أبي الفضل إبراهيم ( طبعة مكتبة الحلبي 1957 م ) ( 1 / 284 ) . ( 4 ) ينظر : د . الذهبي : التفسير والمفسرون ( 1 / 36 ، 37 ) ، ود . محمد إبراهيم شريف : بحوث في تفسير القرآن الكريم ( الطبعة الثانية 1410 ه - 1989 م ) ( ص 48 ) .